الثلاثاء، 6 مارس 2012

المالكية العلمانية..







عندما يتحدث بعض الأشخاص المنتمين للفكر العلماني عن الإسلام يخيل لك أنهم يتحدثون عن أحد الفرق المسيحية أو المذاهب الفلسفية أبعد ما يكون عن الدين الإسلامي. و حين تناقشهم في بعض المسائل الفقهية (و لا أقول العقائدية) يقولون لك : نحن مالكيون! وسطيون! معتدلون! ثم يستدلون بأسماءٍ لعلماءٍ زيتونيين أمثال الشيخ الطاهر بن عاشور و الشيخ عبد العزيز جعيط و الإمام إبن عرفة و الإمام سحنون و غيرهم من علماء المالكية الذين لم يقرأوا لهم يوماً صفحة من كتاب كي لا أقول سطراً أو كلمة لا يعرفون عنهم غير الإنتماء الفقهي و المذهبي. يتحدثون عن المذهب المالكي و كأنه مذهب رخصٍ و مباحات تحت شعار الوسطية و الإعتدال. لا يعلمون أنه لو طبقنا أكثر أحكام المذهب المالكي يسراً و مرونةً لقطعت رقاب كثير منهم و لجلد أو رجم اغلبهم و لفقد جلهم أحد أطرافهم و لتمنوا لو كانوا على غير المالكية.
صحيح أن مذهبنا مالكي و ننتمي إلى مدرسة زيتونية اجتهادية وسطية منفتحة على غيرها من الأمم و الثقافات و لكنها في نفس الوقت عريقة و متمرسة في الفقه الإسلامي و أصوله لا تحلل شرب الخمر و لا الزنى و لا العري و السفور و لا الزواج المثلي و لا غيرها من الإنحرافات التي يود شواذ الفكر و الإنتماء جعلها من سلوك التونسي و قيمه عن طريق البحث لها عن مكان في التشريع التونسي تحت شعار الحقوق و الحريات.
فكفاكم تحريفاً لدين هذا الشعب و تزويراً لتاريخه و ارفعوا أيديكم عن علمائه و دعاته و وفروا عنه فكركم الملوث و المسموم فأنتم آخر من له أن يتكلم عن الإسلام و المسلمين.

الأربعاء، 29 فبراير 2012

تونس كلّها لله







أن تعارضوا حركة النهضة أو الحزب الحاكم بصفة عامة فهذه ليست بدعة في القرن الواحد و العشرين بل هو من أسس النظام الديمقراطي خصوصاً إذا كان جزءًا من الشعب قد أرادكم لهذه المهمة. و لكن الشيء الذي عييت في فهمه و لم أجد له تفسيراً هو من أي منطلق و تحت أي دعوى تعارضون شريعة ربّ العالمين و تبتغون غيرها حكما و تشريعا.

إن كنتم تعتقدون أن الدين أو التدين شأنٌ خاص و أن الدولة كيان عام يحضن الجميع على اختلافاتهم يوجب عليها لزوم الحياد فأعلم صديقي أن ديننا الإسلام و ليس دين أولئك الذين نقلت عنهم إِمَّعَةً قيم الحداثة و التقدم فأفقدوك أصلك و أصالتك و أنسوك تاريخ و حضارة ودّ كثير منهم لو كان له فيهما نصيب. و أعلم -هداك الله- أن ربّ العالمين قد إستخلفك في هذا الكون كي تحكم بشريعته حاكماً كنت أو محكوماً و الأيات القرآنية و الأحاديث النبوية في هذا السياق عديدة و صريحة و لكني سأكتفي بنقل ما كتبه الإمام الزيتوني الوسطي المعتدل الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله في كتابه نقد علمي للإسلام و أصول الدين في الصفحتين 24 و 25 " و كيف يستقيم أن يكون الإسلام شريعة ثم لا يكون له حكومة تنفذ تلك الشريعة؟ و تحمل الراعي و الرعية على العمل بها! فإنه لو وكل الأمر لإختيار الناس لأوشك أن لا يعمل بها أحد." إنتهى.


 فإن كنت مؤمناً حقاً بما أنزل الله فكيف تخشى أن تكون شريعته مصدراً للتشريع في دستور شعبٍ مسلم و أصيل. و إن كنت صديقي -هداك الله إلى سواء السبيل- غير ذلك فاعلم أن هذا الشعب قد وكلك نائباً عنه في مجلسه التأسيسي لتعكس إرادته و ليس لكي تستثني عقيدته من الوثيقة التي كلفك بصياغتها.


 إذا أردتم نظام ديمقراطي نزيه و مجتمع حر و كريم تسوسه قيم العدل و المساواة و تنمية إقتصادية و بشرية عادلة و متكافئة فهذا قبل أن يكون أملكم هو هدفنا و محور نضالنا منذ أن ضلت السفينة السبيل أواسط القرن المنصرم فتاهت بين أمواج المتوسط فما بلغت شواطئه الشمالية و لا أرست على ضفافه الجنوبية. نحن لا نملك الحقيقة و لا ندعي الحكمة أو العصمة و لكن دليلنا في التغيير و الإصلاح غير الذي تعتمدون. نحن نمثل إرادة شعب مسلم حر نسعى أن نكون خير المستخلفين على أرض ربّ العالمين. على هذه الأرض التي خلقت مسلمة و ولد شعبها مسلم -حكومةً و محكوماً- و سيبقيا كذلك إلى أن يرث الله الأرض و من عليها.

الجمعة، 24 فبراير 2012

متى يصحى المخمور..


متى يندمج هؤلاء في المجتمع و يتركوا عنهم شبهات الحداثة و التقدم..

متى يعلم هؤلاء أن لا وصايةً على شعب حر و ذو سيادة..

متى يميز هؤلاء بين الحداثة و الميوعة، بين العفة و السفور، بين الطيب و الخبيث..

متى يعلم هؤلاء أن الثقافة تستمد و لا تسقط..

متى يعلم هؤلاء أن الشعب قد أخذ بزمام أمره، و قرر مصيره، و أن عهد القمع و الإستبداد قد ولى بلا رجعة..

متى يعلم هؤلاء أن أبوهم قد رحل و لن تعيده دموع و لا شموع..

متى يعلم هؤلاء أن الشعب متحد و قد سبق و إنتخب..

متى يعلم هؤلاء أن التآمر خيانة للأوطان..

متى يعلم هؤلاء أن تونس قد أسلمت منذ زمن بعيد و أن الغريب غريب الفكر و الدين..

متى يعلم هؤلاء أن تونس قد سبقتهم في المكان و الزمان..

 قلي بربك، متى يعي هؤلاء كل هذا؟

الأربعاء، 22 فبراير 2012

عاملي الخبرة و الميدان..







عندما يلتقي فريقان في كرة القدم  في مقابلة رسمية تلعب عدة عوامل دور هام في التأثير على نتيجة المباراة النهائية. و من ضمن هذه العوامل يمثلا عاملي الخبرة و الميدان حافزاً كبيراً لترجيح النتيجة لصالح الفريق المستضيف خصوصاً عندما يكون المستوى الفني للفريقين متقارب فما بالك حينما يكون الفريق المستضيف أكثر تنظيماً و إنضباطاً و مهارات فردية. و تعود أهمية هذا الدور إلى الشحنة المعنوية التي يستمدها الفريق من الخبرة التي اكتسبها عبر عقود طويلة من خوض المباريات الهامة و المصيرية و أمام فرقاً أكثر شراسة و إندفاعٍ بدني.  أما بالنسبة لعامل الميدان فتكمن أهميته في الشحنة الحماسية التي تمدها به الجماهير مما يؤثر إيجاباً على طريقة لعبه. فهو يلعب في بلده و أمام جماهيره و على ملعبه الذي طالم تدرب على ارضيته و أمام ضيف متواضع الإمكانيات الفنية و التنظيمية رغم قوة قدراته المادية و الإعلامية. ففي مثل هذه الظروف يصعب كثيراً على  الفريق الضيف الفوز بالمباراة بل يكاد يكون مستحيلاً حتى لو أنه وزع مالاً على الجماهير طلباً لنصرتها تخفيفاً من غربته يوم المقابلة. لأن الإنتماء الوطني لا يمكن شراؤه بمالٍ و لا جاهٍ. أذكر أني في ماض غير بعيد تابعت مقابلة رسمية بين فريقين بذات الوصف و في نفس الظروف السابق ذكرها و كانت النتيجة كما هي متوقعة لصالح الفريق المستضيف بفوزٍ عريض على الفريق الضيف الذي لم تسعفه إمكانياته المالية  و الإعلامية في تسجيل و لو هدف واحد.  فلم يتجاوز الصفر!
 

الإسلام دين شعب و دولة







عندما يطرح موضوع إعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتشريع في الدستور المزمع صياغته يسارع الرافضين لإدراج هذا الفصل من علمانيين و يساريين إلى الدفاع عن موقفهم بالإعتماد على إحدى الحجج التالية:
أولاً: أن مجرد التنصيص على دين الدولة و لغتها في ألفصل الأول من الدستور يكفي للتعبير عن هوية تونس و تحديد انتمائها و أن الشعب التونسي هو عربي مسلم متشبث بالقيم العربية و الإسلامية السمحة و لا يزايده على ذلك أحد.
ثانياً: أن إعتماد الشريعة كمصدر أساسي للتشريع في الدستور سوف يخلق نوع من الغموض و التشتت المرجعي سببه القراءات المختلفة للشريعة الإسلامية و تعدد المذاهب و المدارس الفقهية داخلها. ثم أن العمل مع بعض التشاريع الإسلامية لا يتوافق مع قيم حقوق الإنسان الكونية و مع الدولة المدنية و المواطنة.

هنا، تظهر محاولات خلط المفاهيم على المواطن بغية تفقير الدستور من كل مرجعٍ يمت إلى انتمائنا الحضاري بصلة.

الهوية كتعريف هي مجموع قيم معنوية ثابتة حاضراً و مستقرة على مدى القريب و المتوسط مستقبلاً يكتسبها الفرد منذ ولادته و باحتكاكه بمحيطه الخارجي في تلاقح لعدة معطيات تتقاسم نفس المكان و الزمان. و ليس من دور الدولة هنا تحديدها و انما يجب عليها اكتسبها لتكون منسجمةً مع واقعها. فلا يمكن على اساسها إذاً تحديد جنسية التونسي. فمثلاً جزء كبير من جاليتنا المقيمة بالخارج خصوصاً من الجيل الثاني و الثالث لا يتكلمون العربية و إن تكلموها فبجهد كبير و بتعثر و لا تكون فصحى. أيعتبر هؤلاء ليسوا تونسيين لأن معطى الهوية فيهم لم يكتمل؟ بلى، هم تونسيون لأن اباؤهم كذلك. أو هل علينا سحب الجنسية من اليهود التونسيين لإنهم ليسوا مسلمين؟
 إذاً  نجد هنا أن جزءاً من الشعب، تونسي رغم عدم إكتمال معطى ألهوية فيه. فنكون بالتالي قد اسندنا الجنسية التونسية على أساس إنتماءٍ وطني بحت و ليس على أسس دينية و ثقافية.
 فالفصل الأول هنا يحدد هوية الدولة و ليس الشعب.

 لكن إذا لم يكن الشعب نفسه منسجم على مستوى الهوية فلماذا على الدولة أن تكون العكس؟

لأن على الدولة أن تكرس الإنتماء الحضاري للشعب الذي تحتضنه بإختلاف عقائده و ثقافاته. و ذلك بهدف تحقيق التواصل الحضاري بين الأجيال و للحفاظ على إستمرارية الحضارة و صمودها. و تستمد الدولة هذا الإنتماء من ماضيها المتوسط و القريب و من الإنتماء الغالب لأكثرية الأفراد. فهنا يبرز مفهوم ألهوية الحضارية التي يتشارك فيها كل أفراد الشعب على إختلاف أديانهم و لغاتهم و التي من واجب الدولة حملها و حمايتها.

فتعبير "الإسلام دينها، و العربية لغتها" يؤكد على الهوية الحضارية للدولة و ليس على الهوية بمفهومها الضيق. و على اثر هذا يتوجب إدراج فصل في الدستور يحدد صراحةً و بوضوح المرجعية التشريعية التي تستمد منها الدولة وجودها و الإطار الذي تعبر من خلاله عن إرادة الشعب. و يحيلنا هذا إلى الحجة الثانية التي يعتمدها العلمانيون للحيلولة دون إعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتشريع.

تمثل الشمولية من خصوصيات ديننا الإسلامي  الحنيف التي تميز بها عن سائر الأديان. فعلاوة على أنه دين  تربية و عبادات فالإسلام أولى عناية كبيرة لجانب المعاملات بين الأفراد حيث أنه نظمها فجعل لها قواعد و أطر.

فالإسلام دين حاكم و محكوم، دين دولة و شعب. والدولة في الإسلام هي مدنية بطبعها تسوسها القوانين و ليس رجال الدين أو الكهانوت، يؤخذ القرار فيها عن طريق الشورى لا مجال فيها لحكم الفرد مهما كانت مكانته. وعلى عكس ما يدعيه العلمانيون فالشريعة واحدة ليست متعددة و انما المدارس الفقهية هي المتعددة و لتفادي الشبهات و الإختلافات الفقهية بإمكاننا أن نضيف إلى ألفصل الذي ينص على أن الشريعة هي مصدر أساسي للتشريع أن المدرسة الزيتونية تمثل مرجعيتها الفقهية. و إذا ما تضارب قانون دولي أو إتفاقية مع تشريع إسلامي صريح لا خلاف فيه فإن هذا الأخير هو الذي يقدم. فمثلا ما ضبطه الإسلام من حقوق و حريات للذكر و الأنثى يقدم على جميع الإتفاقيات و المواثيق الدولية  لأن حفظ الدين من المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية و على الدولة أن تسهل على الأفراد ممارسة دينهم لا أن تضع العراقيل و العقبات.

الإسلام دين شعب و دولة، تمثل تونس أخصب أرضية لنمو هذه المعادلة نظراً للتجانس الكبير و النادر الذي يميز شعبها.